محمد جمال الدين القاسمي
258
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 18 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ الصمم : آفة مانعة من السماع ، سمّى به فقدان حاسّة السمع ، لما أنّ سببه اكتناز باطن الصّماخ ، وانسداد منافذه ، بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموّجه . والبكم : الخرس . والعمى : عدم البصر عمّا من شأنه أن يبصر . وصفوا بذلك - مع سلامة حواسّهم المذكورة - لما أنّهم سدّوا عن الإصاخة إلى الحقّ مسامعهم ، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ، وأن ينظروا ويتبصّروا بعيونهم ، فجعلوا كأنما أصيب بآفة مشاعرهم - كقوله - : صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وكقوله : أصمّ عن الشيء الذي لا أريده * وأسمع خلق الله حين أريد فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي - بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة - لا يعودون إلى الهدى - بعد أن باعوه . أو عن الضلالة - بعد أن اشتروها . فالآية الكريمة تتمّة للتمثيل بأنّ ما أصابهم ، ليس مجرّد انطفاء نارهم ، وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة - مع بقاء حاسة البصر بحالها - بل اختلّت مشاعرهم جميعا ، واتصفوا بتلك الصفات فبقوا جامدين في مكانهم لا يرجعون ، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون ؟ وكيف يرجعون إلى ما ابتدءوا منه . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ تمثيل لحالهم إثر تمثيل ، ليعمّ البيان منها كلّ دقيق وجليل ، ويوفي حقّها من التفظيع والتهويل . فإنه تفنّنهم في فنون الكفر والضلال حقيق بأن يضرب في شأنه الأمثال . وكما يجب على البليغ - في مظانّ الإجمال والإيجاز - أن يجمل ويوجز ، فكذلك الواجب عليه - في موارد التفصيل والإشباع - أن يفصّل ويشبع .